من هم الانكشاريون؟ ولماذا يعتبروا أول جيش نظامي في التاريخ الحديث؟

3 يناير 2022119 مشاهدةآخر تحديث : الإثنين 3 يناير 2022 - 7:43 مساءً
Loubna Ahmed
الوعي الثقافيحضارة الشعوب
من هم الانكشاريون؟ ولماذا يعتبروا أول جيش نظامي في التاريخ الحديث؟

 

الإنكشاريَّة هُم أبرز وأشهر الفرق العسكريَّة العُثمانيَّة خُصوصاً، والتاريخيَّة الإسلاميَّة عُموماً، وكانوا في ذُروة مجدهم وقُوَّتهم أعظم تنظيمٍ عسكريٍّ إسلاميٍّ عُرف في التاريخ، وهُم كذلك أوَّل جيشٍ نظاميٍّ في التاريخ الحديث، والمقصود بِذلك أنَّهم أوَّل أفرادٍ اتخذوا من العسكريَّة مهنةً دائمة يتقاضون عليها رواتب شهريَّة، دون أن يقوموا بِأعمال الشُرطة والخفر والدرك في المُدن والقُرى والبلدات كما كان حال الدُول الإسلاميَّة السابقة على العُثمانيين، والدُول الغربيَّة كذلك.
تأسَّست هذه الطائفة العسكريَّة على يد السُلطان أورخان غازي ثاني سلاطين بني عُثمان، الذي عانى من المُتطوعين والمُجاهدين الأفراد مُعاناة كبيرة لِأسبابٍ كثيرة أبرزها قلة صبرهم على المشقَّات، وتأخرهم في الوُصول لِميدان الحرب، وقلَّة انضباطهم، ورغبة بعضهم بالغنائم والمُكتسبات الماديَّة فقط، كما كان المُتطوعون ذوو عقليَّة بدويَّة تقليديَّة، فكانوا يتحزبون لِقبائلهم وعشائرهم مما يُضيِّع وحدة الجيش، فأشار عليه شقيقه الصدر الأعظم (رئيس الوُزراء) علاءُ الدين باشا أن تجمع الدولة الأولاد المُشردين في الشوارع وأيتام البيزنطيين والأوروپيين الذين فقدوا أهاليهم في الحُرُوب أو الأوبئة، وإيوائهم في مدارس خاصَّة وتدريسهم وتثقيفهم وتربيتهم على الانضباط والصدق والخصال الحميدة، وتعليمهم الإسلام والعُلوم الرائجة في ذلك الزمان وتدريبهم بدنيّاً تدريباً صارماً، بحيث تنمى قوتهم الجسمية والعقليَّة.
ووضع أورخان قواعد صارمة لهؤلاء الفتيان، فكان مسكنهم الوحيد هو الثكنة العسكريَّة أو «الأوجاق» فلا يخرجون لِلإقامة خارجها، وعملهم الوحيد بالدُنيا هو الحرب والجهاد، وليس لهم من أقارب إلَّا بعضهم البعض، فهم إخوة وأشقَّاء، وأبوهم هو السُلطان، وكان واحدهم إن تحدث عن السُلطان أو معه يقول «والدي السُلطان»، كما حرَّم عليهم الزواج كي لا يتلهوا بِأُمور الحياة اليوميَّة، ولمَّا صار لدى أورخان عدد مُعتبر من هؤلاء الفتيان سار بهم إلى أحد العُلماء الصُوفيين المشهورين آنذاك وهو الحاج «بكطاش وليّ»، فدعا لهم بالنصر وأن يُبيِّض الله وُجوههم ويجعل سُيُوفهم بتَّارة على أعداء الإسلام، وسمَّاهم «يَڭِيچِرِى»، حسب الكتابة العُثمانيَّة، وتُلفظ «يني تشري» أي الجيش الجديد، ثُمَّ حُرِّفت بالعربيَّة فصارت إنكشاري.
كان أغلب الإنكشاريين من الروم والصرب والبُلغار والروس والشركس والألمان الداخلين في الإسلام، وكانوا طيلة ثلاث قُرونٍ تقريباً غير مُنهزمين في أي معركة، وعززت انتصاراتهم ودخولهم القُسطنطينيَّة وتبريز والشَّام ومصر ثقتهم بنفسهم كوحدة واحدة، ولِفترةٍ من الزمن كان ذكر اسمهم يُلقي الرُعب في قُلُوب القادة الغربيين، حتَّى أنَّ بعض الجُيُوش الصغيرة كانت تتجنب لقائهم، ومن الروايات المشهورة أنَّ رجال البلاط الإسپاني ارتعدوا خوفاً لمَّا بلغهم عزم سُليمان القانوني الزحف عليهم لاسترجاع الأندلُس للمُسلمين ومعهُ عشرات الأُلوف من الإنكشاريين، فاعتبروا أنَّ مدريد سقطت مُنذ وُصول الخبر، ولم يُنقذهم من ذلك إلَّا وفاة القانوني قبل أن يُنفذ مشروعه.
وكان لدىَ الإنكشاريَّة عادة مع تولّي كُل سُلطان العرش، فكان بمُجرَّد دُخوله إلى إستانبول يهرع إليه آغا الإنكشاريَّة ويعرض عليه تُفَّاحة حمراء لمَّاعة، ومعنى ذلك أنه يعرض عليه مدينة روما، إذ أنَّ اللون الأحمر هو لون لباس الكرادلة الكاثوليك، وبِهذا يقصد أنَّ الإنكشاريَّة يرغبون بِفتح روما بعد فتحهم القُسطنطينيَّة تنفيذًا لِنُبوءة الرسول مُحمَّد ﷺ‎.
أصبحت الإنكشاريَّة في أواسط العصر العُثماني تقريباً أداة تخلُّفٍ لِلدولة ومن أبرز أسباب تراجُعها، فطغوا في البلاد وأكثروا الفساد، وكانوا يتدخّلون في تنصيب السلاطين وخلعهم، وأثاروا الانقلابات والعصيان ضدَّ الكثير من السلاطين وقتلوا بعـضهم لمَّا حـاولوا الوُقوف في وجههم، ومن أبرز أسـباب دُخول سُـوسة الفسـاد إليهم ضعف السلاطين العُثمانيين بعد سُليمان القانوني وضياع هيبتهم.
وكان تخلُّف الإنكشاريَّة شديدٌ لِدرجة أنهم رفضوا استبدال أسلحتهم الناريَّة البائدة بِأسلحة جديدة حديثة، ورفضوا مُجاراة التطوُّر العسكري في الغرب مُعتقدين بأنَّ دُعاء الحاج بكطاش ولي لهم قديماً كفيلٌ بنصرهم في أي زمانٍ ومكان.
ولمَّا استفحل خطرهم، وأصبحت أضرارهم تفوق نفعهم، واشتكى منهم أهالي إستانبول والحواضر الكبيرة مثل بلغراد ودمشق والقاهرة، حاصرهم السُلطان محمود الثاني سنة ١٢٤١هـ المُوافقة لِسنة ١٨٢٦م في ثكانتهم، وأمطرهم بقذائف المدافع حتَّى أفناهم عن بُكرة أبيهم، وأمر بالقبض عليهم وإعدامهم في أي مدينةٍ وُجدوا فيها، فقُبض عليهم في القاهرة ودمشق وبلغراد وسالونيك، وفي الأخيرة بُرجٌ شهير سُجن فيه آخر الإنكشاريين وأُعدموا، فعُرف بِبُرج الدم.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.